عبد الملك الجويني
456
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو انتهى في حركته الثانية إلى ذلك المكان الذي نوى العَوْد منه ، ونزله ليرحل منه ، فإنه يقصر فيه ؛ فإنه الآن منزل ، ولم يصر ذلك المكان بما جرى فيه من القصد موضعَ إقامة ، حتى يقال : مهما ( 1 ) انتهى إليه ثبت له حكم الإقامة . 1316 - ولو خرج من نيسابور يطلب الرّي ، فانتهى إلى نصف الطريق ، فقصد الرجوعَ إلى نَيْسابور ، فإنه لا يقصر على مكانه ؛ فإنه قطع بالقصد الذي جدده سفرَه الأول ، فصار مقيماً في مكانه ، فإن فارقه راجعاً ، قصر ؛ فإن المسافة إلى نيسابور طويلة ، وإن جدد نيّة سفرته الأولى ، فلا يقصر على مكانه ، فإذا جاوزه فأمَّ المقصدَ الأول ، قصر ؛ لأن المسافة إلى الرَّي بعيدة ، ولو قصرت المسافة إلى أحد المقصدين ، وبعدت إلى الثاني ، مثل أن يبقى بينه وبين الرَّي أقل من مرحلتين ، ونوى الرجوع ، فحكم مكانه ما ذكرناه ، فإن انقلب إلى نيسابور ، وفارق مكانه ، قصر ، وإن تمادى وخرج إلى الري ، لم يقصر ؛ لأن المسافة قريبة ، وقد انقطع بالقصد المعترض السفرة الأولى ، فهو الآن في مفارقته كأنه مبتدىء سفراً جديداً ، وهو قصير ، فلا يقصر . 1317 - ولو خرج من نيسابور يطلب مرْوَ ، فلما انتهى إلى سَرَخس حوّل قصدَه إلى هراة ، فقد انقطع سفره الأوّل ، فليس له أن يقصر بسَرَخْس ، وإن كان مقامه به مقام المسافرين ، ولكن إذا جاوز سرخس متوجهاً إلى هراة ، فإذ ذاك يبتدئ القصر ، ولو كان يقصد نيسابور من مرو ، فصرف لما انتهى إلى سرخس نيته إلى هراة ، فقد قلنا : لا يقصر ما دام بسرخس ، فلو نقض العزم الثاني ، واستمر على قصده الأول ، فلا يقصر أيضاً حتى يخرج من سرخس نحو نيسابور ، فإن السفر الأول قد انقطع ، فلا يعود مسافراً حتى يفارق مكانه . 1318 - وقد قال الشافعي : لو خرج المكي حاجاً إلى عرفة ، مبرماً عزمه على أن يعود إلى مكة ، ويطوف طواف الوداع ، ويخرج إلى سفرة بعيدة ، فلا يقصر في حجه ؛ فإن هذا ليس من سفره الذي عزم عليه من مكة ، وإذا عاد إلى مكة ، لم يقصر
--> ( 1 ) " مهما " : هنا بمعنى ( إذا ) .